عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

45

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

اعلم أن اللّه تعالى جعل المعجزات وهي ما تكون خارقة للعادة على يد مدعي النبوة ، مقترنة بدعواه برهانا قاطعا على النبوة ، وذلك الفعل يقوم مقام قول اللّه تعالى له : « أنت رسولي على رؤوس الأشهاد » تصديقا لما ادعاه ، مثاله : أن إنسانا قام في ملأ من الناس بحضرة ملك مطاع ، فقال : يا معشر الحاضرين إني رسول هذا الملك وآية صدقي أن الملك يقوم ويرفع التاج من على رأسي ، فيقوم الملك في الحال ويرفع التاج من رأسه عقيب دعوى هذا المدعي ، أليس ذلك الفعل منه ينزل منزلة صدقت أنت رسولي ، وإنما يراعى فيه أمور ثلاثة ؛ الفعل الخارق للعادة واقترانه بالدعوى وسلامته عن المعارضة ، إذ لو رفع التاج بقول غيره أو بعد ذلك بمدة لا يكون هو حجة لهذا المدعي ، فهذه الثلاثة مجموعها برهان قاطع على صدق المدعي بالرسالة نازلة منزلة التصديق بالقول وهو مثل حصول العلم في سائر الأشياء من شواهد المقال وقرائن الحال . واعلم أن خرق العادة على انفراده لا يكون معجزة ما لم يقترن به القرائن من التحدي وغيره فإن خرق العادة قد يقع بالسحر والشعبذة ، وقد يكون بالكرامة للولي ، ومثاله حمرة الوجه فإنه قد يكون من غلبة الدم ومن السكر ومن الخجل ، وإنما تتبين بوجود القرائن ، فإن كان معها تغير المزاج فهي من الدم ، وإن كان معها اختلاط عقل وتمايل فهي من السكر ، وإن كان من حادثة دالة على الخجالة ، فهي من الخجل ، كذلك الفعل الخارق للعادة إن كان من دعوى نبي فهو معجزة ، وإن كان من غير ذلك فهو كرامة ، وإن كان مع حيلة وإعداد آلة فهو سحر وسيأتي الفرق بين هذه الأشياء إن شاء اللّه تعالى . فأما الفرق بين النبي المرسل وغير المرسل ، فمن وجهين ؛ أما الصورة : فبأن يكون مخصوصا من اللّه تعالى بالرسالة إلى قوم معينين ، كما كان في حق يونس - عليه السلام - وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) [ الصّافات : 147 ] وقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] وينزل عليه جبريل - عليه السلام - بالوحي ، ويكون عليه كتاب منزل من اللّه تعالى أو صحف ، ويكون صاحب شريعة بإذن اللّه تعالى وأمره . وأما المعنى : فإنه يتميز من غير المرسل ، بأن يسمع بأذنه من اللّه تعالى كلامه ويبصر بعينه في اليقظة شواهد الحق على حسب ما ذكرنا من كيفية ذلك فيما تقدم . وإن كان هو وهذا أقوى ما يكون من أحوال الوحي ؛ لأن ذلك المعنى الفائض عليه من فوق ابتداء من قوته المميزة ، أعني العقل فأثر فيه ، وبلغ من قوة أثره ذلك أن